مقالات

بين “بوسطة” 1975 و”جهنّم” 2022…

"13 نيسان" مستمرة بنيران متعدّدة"الشيعيّة السياسيّة" تقضم الدولة.

طوني كرم نداء الوطن
شكل 13 نيسان 1975 محطة أوليّة في الإنقلاب على «”الجمهورية الأولى”» وتراجع “المارونية السياسيّة»” وتقدّم “الإسلام السياسي”» بأبعاده الإقليميّة والدولية وصولاً إلى “الجمهورية الثانية”» مع «إتفاق الطائف». ليشكل إغتيال الرئيس رفيق الحريري مدخلاً لتنامي “«الشيعيّة السياسيّة”» منذ العام 2008 وزعزعة علاقة لبنان مع محيطه العربي والدولي. فهل المخاوف من تكرار شبح الحرب الأهليّة واقعيّة على أبواب الإنتخابات النيابية وإطباق «”الشيعيّة السياسيّة”» على الأغلبيّة البرلمانية ومن خلالها على كافة مفاصل الحكم في ظل تشتت القوى المعارضة plop؟

لا يزال شبح الحرب الأهلية مخيّماً على اللبنانيين عند كل استحقاق أكان سياسياً، إجتماعياً أو حتى رياضياً. ليشكل الإنهيار الإقتصادي والمالي والذل اليومي للمواطنين التواقين إلى تأمين أبسط مقومات العيش والصمود من مأكلٍ ومشربٍ وطبابة وتعليم، عاملاً يدفع إلى التحسّر على «البحبوبة» التي رافقت «تقاتل الآخرين على أرض لبنان» رغم الآلام والمآسي التي طبعت ذاكرة اللبنانيين.

وإن كان الصراع مرافقاً للتناقضات الإقتصادية والإجتماعية والفكريّة والذي يعبَّر عنه من خلال ممارسات سياسيّة سلميّة، لتشكل الإنتخابات بمعظم الأحيان السياق الطبيعي لبناء التحالفات وإعادة بناء السلطة، إلّا أن صعود قوى سياسيّة في مراحل معينة يدفعها إلى العنف وتغيير قواعد الإشتباك السلمي وترجمة فائض القوة عبر انتزاع مكتسبات تكرس مطالبها في السلطة.

وفي مقاربة أكاديمية للسياق الذي رافق اندلاع الحرب الأهليّة في لبنان، يرى استاذ العلوم السياسيّة والعلاقات الدولية البروفيسور عماد سلامة أن «عدم تجاوب المسيحيين (النظام السياسي اللبناني القديم) مع مطالبة «الإسلام السياسي» الذي كان في طور الصعود قبل 1975 بالتساوي في السلطة، أدى إلى تحول الصراع إلى نزاع مسلّح متفجّر»، مشيراً إلى أنّ «البيئة الإقليمية لارتباط «الإسلام السياسي» في مناصرة القضايا القومية العربية (القضيّة الفلسطينيّة) وارتباطه باليسار والاتحاد السوفياتي كتعبير عن مناهضة النيوكولونية – الليبرالية في الشرق الأوسط، دفعت القوى الصاعدة إلى المواجهة العنفيّة مع القوى المسيحيّة التي أخذت على عاتقها الدفاع العسكري عن مصالحها، ما أجهض الأطر السلمية لحل النزاع حينه، لتشكل حادثة «بوسطة عين الرمانة» شرارة ضمن بيئة مؤاتية للإنفجار. بدورها، ترى عضو «لقاء سيدة الجبل» ونائبة رئيس «المجلس الوطني لرفع الإحتلال الإيراني عن لبنان» الدكتورة منى فيّاض، أن «الصراع في لبنان لم يكن إختراعاً لبنانياً، بل ان اتفاق القاهرة في 1969 الذي قامت به السلطة اللبنانية بما تمثل من قوى مسيحيّة حمّل اصغر وأضعف بلد عربي عبء القضية الفلسطينية وحوّل الجنوب إلى «فتح لاند» إلى جانب تماهي المسلمين مع الفلسطينيين والإعتماد على سلاحهم من أجل انتزاع حقوق لهم من الدولة اللبنانية، مهدت لاندلاع الحرب الأهلية في 1975، جرّاء التلاقي ما بين القوى الداخلية والخارجيّة أكانت السورية والفلسطينية والإسرائيليّة لتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراع». وتوقفت فيّاض عند بروز «حركة المقاومة الوطنية» (1982) التي ضمت كافة اطياف المجتمع اللبناني في وجه الإعتداءات الإسرائيليّة، قبل أن يبرز التواطؤ السوري – الإيراني في حصر مواجهة إسرائيل بـ «المقاومة الإسلامية في لبنان» (حزب الله)، بداية التغلغل الشيعي في لبنان. وهذا ما بدا جلياً بالنسبة لفيّاض عقب تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي وعدم تقبّل الوصاية السورية أو ما بدأ يعرف بالنظام اللبناني السوري فكرة تحرير لبنان، ما دفعهم إلى «التحجج باستمرار الإحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا من أجل إبقاء الوصاية السوريّة على لبنان والسلاح الذي أصبح بإمرة إيرانيّة بيد «حزب الله»

الطائف» ووقف الأعمال المسلحة!

ورأت فيّاض أن «اتفاق الطائف» الذي أوقف الصراع الدموي بين المكونات اللبنانية لم يطبق يوماً، رغم أنه «شكّل ترجمة إيجابيّة للميثاق الوطني في 1943 على أنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والإنتماء، مكرساً المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وذلك لأنه أوكل لأمراء الحرب الذين كانوا يتقاتلون مهام بناء السلم في ظل وصايةٍ سوريّةٍ عليهم باستثناء القوى المسيحية التي تم نفيها واعتقالها». وأشارت إلى أن «الخلل في تطبيق الدستور بدأ مع إختراع الوصاية السورية ما عرف بـ «الترويكا» بين الرؤساء الثلاثة (الجمهورية والبرلمان والحكومة)، ما عزز إمساك الوصاية السورية بخيوط اللعبة للتحكم بالمسؤولين عند كل استحقاق».

وفي السياق، يرى سلامة أن «إتفاق الطائف الذي أوقف إطلاق النار ومهد لحالة بناء السلام، غيّر المعادلة السياسية عبر إعطاء الأفضلية للإسلام السياسي الذي خرج رابحاً بشقيه السنّي والشيعي، عبر طرح التساوي بين المسيحيين والمسلمين بالحقوق والواجبات»، مشيراً إلى «أن تطبيق الإتفاق أتى مشوهاً على حساب تهميش القوى المهيمنة (السورية) للوجود المسيحي في الدولة، وإبقاء السلاح في يد طرف على حساب الأطراف الآخرين»

من «الإسلام السياسي»إلى «الشيعيّة السياسيّة»



ولفت سلامة إلى أن «حالة الإستقرار النسبي تفجرّت في الـ 2005 مع إغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاها من إغتيالات قبل أن تشهد العاصمة بيروت والعديد من المناطق صراعاً مسلحاً في 7 أيار 2008، حيث عبّرت عن حالة جديدة، أعادت القوى السياسيّة إلى حقبة ما قبل 1975، ولكن عبر صعود «الشيعية السياسيّة» على حساب «الإسلام السياسي»، مطالبة بفضل تنامي القوة العسكرية لـ»حزب الله» الذي يلقى دعم النظامين السوري والإيراني بمكتسبات وشراكة أكبر في السلطة»

ورأى أن «الحزب» الذي وجد أن النظام السياسي اللبناني لم يعد يناسبه او يتماشى مع قدراته وثقله العسكري والإقتصادي تحديداً مع خروج الجيش السوري من لبنان (نيسان 2005)، شكّل رأس حربة في الصراع «السنيّ – الشيعي» الذي انقسم حوله المسيحيون ما بين الطرفين ليشكل الإنقلاب على نتائج الإنتخابات التي أعطت الأكثرية البرلمانية لقوى 14 آذار في العام 2005، تكريساً لفائض القوة عبر تغيير مبادئ أساسيّة من إتفاق الطائف عبر إتفاق الدوحة في 2008 الذي أعطى للطائفة الشيعية إمتيازات إنتخابية جديدة كرّست «الثلث المعطل» في مؤسسات الدولة أكان عبر تشكيل الحكومات أو انتخابات رئاسة الجمهورية، وصولاً إلى التوافق على إنتخاب الرئيس ميشال سليمان في الدوحة، قبل أن يشكل تنامي «الشيعية السياسيّة» مع إنخراط «حزب الله» في الصراع العسكري ضدّ «السنيّة السياسيّة» في سوريا، فائضاً من القوة أدى إلى تعطيل الإستحقاق الرئاسي في لبنان وفرض انتخاب العماد ميشال عون رئيساً في 2016».

لا تختلف مقاربة سلامة عن فيّاض التي رأت أن «التواطؤ الدولي والداخلي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري (2005) جرّاء التحاقه بالمطالبة باستقلال لبنان مع «لقاء قرنة شهوان»، وكذلك حرب تموز 2006 التي عززت مكانة «حزب الله» عربياً ساهما في الوصول إلى اتفاق الدوحة الذي نسف النظام اللبناني مكرساً «الثلث المعطل» لـ»حزب الله» مانعاً إنتخاب رئيس من «قوى 14 آذار»، منقلباً على نتائج الإنتخابات البرلمانية التي أعطت الأكثرية لتلك القوى في 2005 و 2009»

وشددت فيّاض على أن تلك التراكمات أدت إلى صعود «الشيعيّة السياسيّة»، وصولاً إلى فرض إنتخاب العماد ميشال عون الذي قال عنه النائب نواف الموسوي جهاراً ومن داخل مجلس النواب، إنه وصل إلى بعبدا بفضل بندقية المقاومة، مشيرة إلى أنّ «هذا التمدد لـ»حزب الله» ما كان ليحصل لولا التنازلات والتسويات التي قامت بها القوى السياسية منذ 2008 وصولاً إلى 2016 عبر إنتخاب الرئيس عون ومن ثم الإتفاق على قانون الإنتخاب الحالي الذي أقر في 2017، والذي أعطى أغلبية مجلس النواب إلى «حزب الله» وحلفائه الذين فرضوا هيمنتهم المطلقة على مؤسسات الدولة».


«13 نيسان» وأحادية «الشيعية السياسيّة»



وفي ذكرى «13 نيسان»، إعتبر سلامة أن مقومات إندلاع نزاع مسلح أو حرب أهلية في لبنان غير متوافرة، لأن «المشهد عشيّة الذكرى في 2022 يختلف عن 1975، لجهة أن «الشيعيّة السياسيّة» المرتبطة والمدعومة من سوريا وإيران وإلى حدٍّ ما روسيا، تطرح نفسها كقوة أحادية لا ترى أمامها أياً من القوى الأخرى أكانت سنيّة أو مسيحيّة، متماهيةً مع الدعم الإقليمي المنتصر في المنطقة، في غياب الدعم الإقليمي والدولي للقوى الأخرى من أجل مواجهتها». موضحاً أن «غياب العدالة في الحكم سيؤدي إلى بناء دولة مشوهة على غرار ما قامت به «المارونية السياسية» في الماضي، وهذا ما تجلى من خلال رعاية «الشيعية السياسيّة» المتمثلة في «حزب الله» للقوى السياسية وتحديداً المرشحَين المسيحيَّين لرئاسة الجمهورية (جبران باسيل وسليمان فرنجية) تمهيداً لانتقاء الرئيس المقبل للجمهورية

واستبعد سلامة ترجمة الغبن الذي يمارسه «حزب الله والشيعيّة السياسيّة» من خلال حالة إعتراضية شعبيّة جارفة على غرار ما قامت به «14 آذار» في 2005، تحديداً في ظل غياب الإحتضان الإقليمي والدولي لمعارضة «حزب الله»، وتنافس القوى الغربية على إبرام الصفقات مع إيران للحدّ من الضغط عليها، لتشكل الإنتخابات النيابية المرتقبة في أيار المقبل تأكيداً على قدرة «الشيعية السياسيّة» في التحكم في كافة مفاصل الدولة إنطلاقاً من البرلمان في ظل معارضة «مبعثرة» لأفراد يتناحرون في ما بينهم بعيداً عن القدرة على التأثير

وتوقف البروفيسور عماد سلامة عند المساعي القائمة لاعادة إحياء الإتفاق النووي الإيراني في فيينا مشيراً إلى أنّ «إعادة إحياء الإتفاق سيكرس الرضى الدولي على تحكم إيران في المنطقة على اعتبار أن بروز قوتين شيعية وسنيّة في الشرق الأوسط سيخدم مصالح الأوروبيين والأميركيين، على أن ينعكس تقسيم الشرق الأوسط بتعزيز الأفضلية لمصلحة إيران على أن يكون لبنان جزءاً أساسياً من هذا الإنقسام».

وفي الموازاة، رأت الدكتورة منى فيّاض أن «الملفات الكبرى على الساحة الدولية من المفاوضات في فيينا إلى الحرب الروسيّة الأوكرانية تجعل من الملف اللبناني هامشياً، ما يجنّب لبنان المعارضة الفعليّة لهيمنة «حزب الله» الذي سيجد نفسه أمام تحدٍ كبير في تقديم الحلول إلى اللبنانيين في حال فوزه في الإنتخابات النيابية، ليجد نفسه مضطراً إلى التعاون مع المجتمع الدولي بشروطه الواضحة من أجل تجنب الإنفجار الأهلي العشوائي جرّاء تفاقم الأوضاع المعيشيّة».واعتبرت فيّاض أن ممارسات «حزب الله» توحي بأنه أيّا تكن النتائج التي ستفرزها الصناديق في الإنتخابات، فإنه، وبفضل السلاح، سيستمر في فرض هيمنته على الدولة، قولاً وفعلاً، ليشكل استئصال أصل الورم والمشكلة المتمثلة في سلاح «حزب الله» والقوى السياسية المشاركة في نهب اللبنانيين مدخلاً من أجل نزع الغطاء عن السلطة القائمة تمهيداً إلى قيام سلطة بديلة. وفي الختام، شددت نائبة رئيس «المجلس الوطني لرفع الإحتلال الإيراني» على أنّ «المطالبة برفع الإحتلال الإيراني المتمثل بهيمنة سلاح «حزب الله» على الدولة كما جميع حركات التحرر والمقاومة المدنية السلميّة تبدأ مع فئة صغيرة تأخذ على عاتقها رفع هذه الأفكار لتلقى لاحقاً الصدى المطلوب وصولاً إلى التغيير على كافة المستويات».

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: