مقالات

من نيل أرمسترونغ إلى جيف بيزوس…

في مثل هذا اليوم، ٢٠ تمّوز من العام ٢٠٢١، قام الملياردير جيف بيزوس برحلة إلى الفضاء على متن مركبته " نيو شيبرد".

أعلن معنا على الرقم: 03576768
وقد اختار هذا اليوم لموافقته يوم نزول أوّل إنسان على سطح القمر. وقد بلغت سرعة المركبة ثلاثة أضعاف سرعة الصوت، واستمرّت الرحلة ١١ دقيقة.
وفي مثل هذا اليوم، ٢٠ تمّوز، من العام ١٩٦٩، حطّ أوّل إنسان على سطح القمر.
إنّه نيل أرمسترونغ، رائد الفضاء الأميركيّ، وقائد المركبة أبولو ١١، الذي داس سطح القمر، وقال جملته الشهيرة: إنّها خطوة صغيرة لإنسان، ولكنّها خطوة عملاقة للبشريّة.
شاركه في الرحلة ألدرن، الذي مشى على سطح القمر فكان ثانيًا؛ أمّا كولنز فبقي في المركبة، ولم يغبّر حذاءه.
صحيح أنّ الدافع إلى هذا الإنجاز العظيم، الذي حقّقته الولايات المتّحدة، كان إرادة إثبات التفوّق على الاتّحاد السوڤياتيّ السابق، في خلال الحرب الباردة، إلّا أنْ مردوده انعكس على الإنسانيّة جمعاء، وأسهم في عملقة الإنسان ودفعه إلى تطوير إمكاناته على مختلف الصعُد. ولا شكّ في أنْه جاء ثمرة جهود جبّارة بذلها عدد كبير جدًّا من خيرة العلماء، وقد تطوّرت من خلاله الكثير من المعارف التي أفادت، وتفيد، منها البشريّة أيّما إفادة.
أذكر أنّنا تابعنا هذا الحدث العظيم، غير المسبوق، مباشرة وبالأبيض والأسود، من خلال محطّة العربانيّة التي قامت بنقله، وقد كنّا في غاية الانفعال والاعتزاز والتأمّل في معناه ومردوده على مختلف الصعد، وأقنعنا أنفسنا بأنْه إنجاز للبشر جميعًا، وليس للأميركان وحدهم، للتخفيف من وطأة الشعور بعقدة النقص، ولكن هيهات!
صحيح أنّ أصواتًا تعالت مشكّكة في ما حصل، معتبرة أنّه مجرّد فيلم أميركيّ من أفلام الخيال العلميّ التي اشتهرت بها هوليود، مُثِّل في صحراء نيڤادا، أو ما يشبهها. إلّا أنّ المراكز العلميّة في الدول المتقدّمة، وفي طليعتها المنافسة الأساسيّة في الاتّحاد السوڤياتيّ، أقرّت بهذا الإنجاز الذي ثبت أنّه حقيقةٌ وليس وهمًا.
وعلى سبيل التذكير، إستغرقت الرحلة ١٩٥ ساعة و١٩ دقيقة. أمّا الخروج من المركبة والتجوّل على سطح القمر، وهو التحدّي الكبير الذي كان يواجه القيّمين على الرحلة، فاستمرّ مدّة ساعتين ونصف، قام الرائدان في خلالها بتركيز آلات علميّة وبأخذ عيّنات من أرض القمر، وبالطبع بتركيز العلم الأميركيّ على أوّل كوكب خارج الكرة الأرضيّة.
كان الشعراء والكتّاب والعشْاق…، ولا يزالون يناجون القمر، ويسامرونه، ويتغزّلون به؛ فهذه نازك الملائكة تعتبره”سلّة فلٍّ في الأفق منحدرة” وتخاطبه بقولها” يا لون حبّي القديم ، يا شغفي” • وهذا خيرالدين الزركلي يعاتبه على عدم اهتمامه بما يراه بين البشر بقوله” لم تبقِ أيدي الحادثات ولم تذرْ فعلامَ تضحك في سمائك يا قمر؟!”
وهذا المنفلوطيّ يخاطبه متسائلًا عن كنهه” أيّها الكوكب المطلّ من علياء سمائه أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه وهذه النيّرات حُوْرٌ ووِلدان؟… ” أمّا ابراهيم اليازجيّ فاعتبر أنّه صورة الأرض في السماء، بل هو وليدها…
لقد تأكّد لنا أنّ القمر، في حقيقته، كالح الوجه، ومع ذلك مازلنا نشبّه أجمل النساء به، ونغنّي متغنّين بجماله ” على بابي واقف قمرين واحد بالسما” و” يا قمر مشغره ويا بدر وادي التيم”؛ أمّا النجم العربيّ وليد توفيق الذي اقترن بقمر كونيّ من لحم ودم، فنسي أنّ الأميركان رفعوا علمهم على وليد الأرض، أي استملكوه، ومازال يقترح على حبيبته اقتسامه مناصفة، لكلّ منهما ١٢٠٠سهم ” تچي نقسم القمر ، أنا نصّ وإنت نصّ”.
الفنّ شيء والعلم شيء آخر. لقد حطّم العلم الكثير من الخرافات، والذين ذهبوا إلى القمر لم يروا الحوت الذي كان الناس يعتقدون أنّه يبتلع القمر أثناء الخسوف وينادونه قائلين”يا حوت دشّر(أترك) قمرنا”.
متى نحطّم الخرافات ونتخلّص من الحيتان التي تبتلع جنى أعمارنا ونناديها بملء الحناجر كي ” تدشّر” مالنا فلا ينفع معها نداء؟
صوت من القمر ينادي: كفّوا عن تجديد البيعة.]
شربل شربل
***ما وضع بين معقوفين مقالة منشورة في كتابي ” في مثل هذا اليوم” -دار سائر المشرق (٢٠١٩)
ابدأ مسيرتك الفنية اليوم

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: