مقالات

” كرمالك يا لبنان”

كصفحة مشرقة في كتاب أسود،
كضوء في آخر نفق مظلم،
كشعلة ضاءت فوق ركام وطن ،
سطعت فرقة ” ميّاس”، وخطفت الأضواء، وأبهرت العالم.
رفعت ميّاس اسم لبنان عاليًا، لذلك، لم يجرؤ أحدٌ، من المنظومة الفاسدة التي شوّهت صورته بين الأمم، على النزول إلى صالون الشرف لاستقبال الفرقة الظافرة بالجائزة الأولى، والتقاط الصور التاريخيّة مع أعضائها. فنجاحها هو ثمرة إبداع الموهوب نديم شرفان، وجهد القدود الميّاسة التي عملت بكدّ متواصل، وبروح فريقيّة عالية، حتّى ارتقتِ القمّة بجدارة، و”كرمالك يا لبنان”.
هنيئًا لكم جميعًا، وهنيئًا للبنانيّين الذين يقدّرون الفنون الجميلة بكم.
أرفق تهانيّ الحارّة لكم بمقتطفاتٍ من مقالة لي في امتداح الرقص نشرتها في كتابي” الموائد المفتوحة”، وعنونتها ” ديوان الجسد”:
{ … الرقصُ ديوان الجسد، وكلُّ رقصة جيّدة قصيدةٌ موقّعة، لا تقدّر بثمن. وإذا كان الملوك والأمراء قد دفعوا مبالغَ طائلةً للشعراء ثمنًا لقصائدهم، فلعلّ أثمن ما دفع مقابل رقصة، هو رأس يوحنّا المعمدان.
والرقص، كما الموسيقى والرسم والنحت… لغة عالميّة مارستها أكثريّة الشعوب، على مرّ الأزمنة، بدائيّةً كانت أو غير بدائيّة.
وهو، كالشعر، أنواعٌ ودرجات:
منه المقدّس الذي يمارس في المعابد وحلقات الذكر، ورقصة داود أمام تابوت العهد. ومنه الذي يلقى قبولًا اجتماعيًّا وتشجيعًا بصورة عامّة.
ومنه الخليع المتعهّر.
ومنه المستكره، كرقص الطير ” مذبوحًا من الألم”…
وهو يكون عالميًّا بقدر ما يكون محلّيًّا:
ف”السمبا” امتياز برازيليّ.
و” الفلمنكو” امتياز أسبانيّ.
و” الباليه” امتياز أوروبيّ.
و” رقص الصالونات” ذو منشإٍ أرجنتينيّ وامتياز أوروبيّ.
أمّا ” الدبكة” و ” لعبة السيف والترس” فامتياز لبنانيّ.
والدبكة ” من الفنّ العالي بمكان”، على حدّ قول أمين الريحاني.
إنّها رقصة جماعيّة تمثّل التكاتفَ بين الناس إناثًا ورجالًا، ووقوفَهم صفًّا واحدًا في الإقدام والمواجهة، كما تمثّل امتلاك الأرض والسيادة عليها، وشموخ الرأس المليء بالعنفوان…
أمّا لعبة السيف والترس، فاسمها يدلّ عليها ويغني عن التعريف؛ إنّها رقصة فروسيّةٌ تضاهي، إذا أتقنها اللاعبون، قصائد الحماسةِ ذاتَ النفَس الملحميّ…
ولمّا كانت الحياة ” صحراء قاحلةً واحتُها الفنّ”، فإنّني أدعوكم إلى دخول الواحة الآتية علّكم تجدون فيها نداوةً وظلًّا و…
أبدعت نحتك
أبدعت نحْتَك للقاماتِ والخُصُرِ
فصغتهنّ فتونًا في بني البشرِ
زالت مواهبُ مَن لم يُغرِها نغمٌ
بهزّ خصرٍ حلا أو قامةٍ تُغري
الرقص عزفٌ على ناياتِ قامتنا
به نجسّد ما في الخلق من سحر
الرقصُ قبضٌ على الأنغام سائلةً
في لفتة الزَندِ أو أُرجوحةِ الشَّعْرِ
الرقصُ شعرٌ غوى القاماتِ مطلعُه
حرُّ التفلّتِ من وزنٍ ومن بحرِ
والرقصُ قُلْهُ عصًا في كفّ ساحرةٍ
راحت تفتّحُ زهرَ الجمر في السمر
فألهبت جذوة الأشواق مضرمةً
نار الهوى في غصون البانةِ النُضْرِ
وعطّرتْ جنّةَ السمّار ناشرةً
عرْفَ الجنان وسرَّ الآهِ في الوترِ }
١٧ أيلول ٢٠٢٢
شربل شربل

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى