مقالات

فخر الدين

في مثل هذا اليوم، ١٣ نيسان من العام ١٦٣٥، أعدم العثمانيّون الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني الكبير، في الآستانة…

وعلى سبيل التذكير بالوقائع، فإنّ الأمير تمكّن من حكم جميع الأراضي التي تشكّل مناطق لبنان بحدوده الحاليّة، وفي أيّام العزّ ورضا الدولة العليّة توسّعت منطقة نفوذه لتشمل فلسطين وسوريّا وشرق الأردن… وكان قد نسج علاقات مع توسكانه وأسبانيا وفرنسا، واستفاد من التطور العمرانيّ الذي عُرفت به توسكانه، واستقدم المهندسين والخبراء الذين تركوا تأثيرًا واضحًا في بيروت وصيدا والجبل…
وعلاقة المعنيّين بالعثمانيّين كان يشوبها الكثير من التبدّل؛ فهم الذين أطلقوا على فخر الدين الأوّل لقب سلطان البرّ، وهم الذين أعادوا اللقب نفسه للحفيد الذي حاربوه، وسمحوا له بالعودة، بعد أن هرب لعدّة سنوات قضاها في أوروبا، ووسعوا إمارته، ثمّ هاجموه، وأخيرًا أعدموه.

للأمير فخر الدين الثاني في أذهان اللبنانيّين، وفي كتابات مؤرّخيهم، صورة، بل صور، يختلط فيها الأسطوريّ بالواقعيّ.
فهو مؤسّس الكيان اللبنانيّ المسقلّ، في رأي البعض.
وهو مجرّد مقاطعجي يجمع الضرائب ويسدّدها للولاة العثمانيّين، وللدولة العليّة، في رأي البعض الآخر.
وهو زعيم حركة انفصاليّة عن السلطنة تشبه حركتي محمّد علي وظاهر العمر…
وهو متآمر مع الغربيّين، يزوّدونه بالأسلحة، ويساعدونه في بناء القلاع، لتمهيد طريق القدس أمامهم…
وهو الظالم العادل الذي يحرّق أرزاق خصومه ويدمّر قراهم، وينقل حجارتها إلى دير القمر، كما فعل في عكّار…
وهو الذي يفرض الضرائب الباهظة ويُخضع الإقطاعيّين، ويستعين بهم في حروبه، كما يستعين بالمرتزقة السكمان…
وهو الذي أخرج كمّيات من الذهب، وأودعها مصارف إيطاليا، ويقال إنّها مازالت موجودة حتّى اليوم!
إنّه الدرزيّ المولود لأبوين درزيّين.
وهو السنّيّ، ليس فقط بدافع التقيّة والتمكّن من الحكم، وإنّما بالممارسة، من خلال تعدّد الزوجات، وصيام رمضان، وبناء المساجد؛ ومن المعروف أنّ مسجده، في دير القمر ،هو أقدم مسجد في جبل لبنان.
وهو الذي تلقّى تربية مسيحيّة، لدى آل الخازن في بلّونة- إذا صحّ هذا الأمر- والذي استحصل من الڤاتيكان على فرمان يوصي الموارنة بمساعدته…
وفي عهده سُمح للنصارى بممارسة شعائرهم بحرّيّة فقرعوا النواقيس، وأقاموا الاحتفالات، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة والزنانير المزركشة…
وسُمح لليهود بممارسة شعائرهم وطقوسهم، وتمكّن تجّارهم من العمل بحرّيّة…

أمّا الشعراء فيرونه على طريقتهم؛
إنّه البطل الملحميّ، الذي خصّه سعيد عقل بقصيدة طويلة في ديوانه” كما الأعمدة”، قال في مطلعها:
يا اندفاع الأمواج في شاطئ البوسفور، رفقًا بذكريات الأمير!
ببقايا حلمٍ تفوّفَ بالصبح، وألوى، فالصبحُ مأتمُ نور،
فيه من وثبة الجريح إلى الثأر، وفيه من احتضار النسور! …
وقال:
أرضُ لبنانَ حفنةٌ، إنّما ملعبُ عينيه بَعْدَ بُعْدِ الضمير،
عصرت قلبَه حدودٌ دوانٍ فرآها على شفا المعمور…

وهو الذي وضع أسس الكيان اللبنانيّ، في الأوبريت التي نظمها الأخوان رحباني على اسمه، والتي بدأت باستقباله لدى عودته من المنفى، وتقديم الهدايا له، والدخول في طاعته… قام نصري شمس الدين بدور فخر الدين، وفيروز بدور عطر الليل التي خاطبها بقوله: أنا بالسيف وإنتِ بالغنّيّة…، و…وقد أعلن الأمير أنّه قادم لإعمار لبنان وتحصينه، و…. ممّا لا مجال لذكره في هذه المقالة…

*** قد تكون أبرز ملامح صور فخرالدين أنّه كان توحيديًّا، استقلاليًّا، ميّالًا إلى الحداثة، بعيد الطموح، ومغامرًا…
*** من يستطيع تخليصَ خيوط الحقيقةِ من خيوط الأسطورة والتمنّيات؟؟؟
في ١٣ نيسان ٢٠٢٢
شربل شربل

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: