مقالات

روما

في مثل هذا اليوم، ٢١ نيسان، من العام ٧٥٣ق.م. أنشأ رومولوس وراموس مدينة روما.

تقول الأُسطورة إنّ أمّهما هي الكاهنة ريّا سيلڤيا، أمّا الأب فهو مارس إله الحرب.
وتضيف الأسطورة أنّهما وضِعا في سلّة في مياه نهر التيبر، للتخلّص منهما، إلّا أنّ ذئبةً سحبت السلّة إلى البرّ وتولّت إرضاعهما، قبل أن يتولّى نقّارُ الخشبِ مهمّة إطعامهما.

قتل رومولوس شقيقَه روموس ليستأثر بالحكم – كان بودّي أن أُعيد جريمته إلى مفعول حليب الذئاب الموصوفة باللؤم والغدر، إلّا أنّني عدلت عن الفكرة لأنّ قايين، المؤسّس للإجرام، كان قد رضع حليبًا بشريًّا-

إرتبطت روما، في ذهني بالقساوة والعنف، منذ الصغر. فجرائم حكّامها موثّقة:
في الإنجيل، وفي أخبار شهداء المسيحيّة الذين كان يُلقى بهم إلى الأُسود، وأوقحها صلب المسيح.
وفي التاريخ، ومثالها ما فعله نيرون.
وفي الشعر الذي نحفظه، وأوّله قول أحمد شوقي على لسان كليوبترا ” كلّما أولمت أساءت إلى العقل…”في ذمّ روما، على مسمع أنطونيو الذي خان روما استجابة لإغواء ملكة مصر، ما دفع أمير الشعراء إلى وضع أجمل أشعاره الغنائيّة على لسانه، نادمًا، مستغفرًا، عندما شعر بخساسة ما فعله:
روما حنانك واغفري لفتاك، أوّاهِ منك وآهِ ما أقساكِ
روما سلامٌ من طريدٍ شاردٍ في الأرض وطّن نفسه لهلاكِ
إنّ الذي أعطاك سلطان الثرى لم تُنعمي لرفاته بثراك

وارتبطت صورة روما بالعظمة، والفجور، والاضطهاد، والفنّ، وبكلّ ما علق بذاكرتي من مشاهدة الأفلام، وخصوصًا”روما فلليني”، وقبله ” ساتيريكون”، و”ميكال أنجلو” الذي كان يجيب قداسة البابا- وكان يريد تدشين كنيسة سكستين، وقد أصبح شيخًا- عندما يطرح عليه السؤال: متى تنتهي من هذا العمل؟ قائلًا: عندما أنتهي.

كنت أُمنّي النفس بزيارة روما لتحقيق هدفين:
الأوّل: مشاهدة كنيسة سكستين في الڤاتيكان، روعة الرسم في عصر النهضة، بريشة ميكال انجلو التي روت قصّة سفر التكوين ابتداءً من فصل الظلام عن النور، مرورًا بآدم وحوّاء… وصولًا إلى نوح. علمًا بأنّ الكثيرين من النقّاد يعتبرون أنّ مشهد خلق آدم ممدّدًا على الأرض مادًّا يده نحو الطاقة الإلهيّة لتمنحه القوّة والحياة، من أروع ما أبدعته ريشة.
والثاني: مشاهدة تمثال موسى الذي تعلّمنا عنه نصّا في كتاب القراءة شوّقنا لرؤيته.

حقّقت الهدف الأوّل، وظللت أعتقد أنّ الڤاتيكان مُتحف الدنيا الذي لا يُضاهى، إلى أن زرت روسيّا، وخصوصًا سان بيترسبورغ.
أمّا الهدف الثاني فلم أحقّقه، لأنّ روائع روما أكثر من أن تُعدّ، ولأنّ أكثريّة رفقاء الرحلة قرّرت تمضية اليوم الأخير في زيارة كاشيا، حيث يُعرض جثمان القدّيسة ريتا، فكان يومًا رائعًا.
يُقدّر عدد الذين يزورون الڤاتيكان يوميًّا بأكثر من عشَرة آلاف سائح، وقد يصل في أيْام الذروة إلى عشرين ألفًا؛ إنّها شهادة على طاقة الفنّ المتجدّدة وثروته التي لا تنضب، ودليل حسّيّ على ما جاء في الحكمة: لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل ولا ميراث كالفنّ.
إذا كانت حكاية رومولوس وراموس أسطورةً لا تُصدّق، فإنّ روما- وأخواتها- أسطورة تُصدّق.

شربل شربل

من كتابي” في مثل هذا اليوم” – دار سائر المشرق

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: