مقالات

حرب الأفيون الأولى

في مثل هذا اليوم،٣ حزيران، من العام ١٨٣٩، بدأ حرب الأفيون الأولى بين بريطانيا والصين. وهي، كمعظم الحروب، صراع عسكريّ ذو دوافع اقتصاديّة.

من المعروف أنّ مصدر الأفيون الأساسيّ هو الهند، وقد قام البرتغاليّون بالاتجار به مع أوروبا ابتداءً من القرن السادس عشر.
وكان الصينيّون يعرفون الأفيون بوصفه مسكِّنًا للألم. ولكنّهم، وابتداءً من القرن الثامن عشر، أصبحوا يستعملونه كمخدّر وكمنشّط.
تاجر الإنكليز بالأفيون وأدخلوه باضطراد إلى الصين وبكمّيّات كبيرة، وأخذ استهلاكه يزداد حتّى عُدّ أكثر من مليوني صينيّ يتعاطونه، في القرن الثامن عشر.
وكان التهريب الذي يغذّيه فساد الموظّفين المسؤولين عن المرافئ، عاملًا أساسيًّا في انتشاره.
إتّخذ الصينيّون إجراءات كثيرة، وعلى مراحل، ضدّ المتاجرين به، واعتبروا إدخاله تهريبًا يوجب إعدام الفاعل- كما هو الحال في إيران اليوم- وقاموا بمهاجمة السفن التي تجلبه وإغراقها، إلّا أنّهم لم يستطيعوا القضاء على الإتجار به. ولمّا كان من مصلحة الإنكليز الاستمرار في تهريبه، فقد شنّوا حربًا بحريّةً بحجّة الردّ على الإجراءات الصينيّة بحقّ التجّار الإنكليز، وانتصروا في فرض شروطهم، ومنها السيطرة على هونغ كونغ… وشيئًا فشيئًا أصبحت شانغهاي مركزًا دوليًّا لتجارة الأفيون وتقاطعت فيها مصالح الدول الغربيّة.
كان لهذه التجارة انعكاس كبير على الوضع الاقتصاديّ للصين في مراحل كثيرة؛ ففي حين كان الصينيّون يصدّرون الشاي بمبالغ خياليّة إلى بريطانيا ولا يستوردون بالمقابل بضاعة إنكليزيّة، اضطرّوا إلى الخضوع لشروط كثيرة لم تكن في مصلحتهم.

عندما شاهدت الفيلم “شانغهاي” الذي أخرجه مايكل هافستورم، وشارك في التأليف الموسيقيّ فيه اللبنانيّ الأصل غبريال يارد، في السنة ٢٠١١، فوجئت بحجم الوجود المخابراتيّ الغربيّ، وبصراع أجهزة المخابرات في ما بينها في شانغهاي، فلمّا تتبّعت أخبار حرب الأفيون الأولى، بعد محاولة الصين إحياء طريق الحرير، فهمت بوضوح لماذا تعتبر شانغهاي ” همزة وصل بين الشرق والغرب”•

هل صحيح أنّ الأنظمة الحاكمة في العالم تبقى، ولو تكاتفت، عاجزة عن مواجهة المافيات العالميّة وقطع دابر مهرّبي المخدّرات الذين لا يقهرون، أو أن الفساد المعشّش فيها هو رأس العلّة لأنّه يجهض الجهود الخيّرة ويمكّن المهرّبين من فرض إرادتهم؟

شربل شربل

*** المقالة من كتابي ” في مثل هذا اليوم” – دار سائر المشرق (٢٠١٩)

إضغط للإشتراك في خدمة الخبر السريع على واتس آب
Ammoura Georges Bou Abdo - استمع الآن Listen To Ammoura a Song By Georges Bou Abdo

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: