مقالات

إلى الكاتب الكبير، توفيق يوسف عوّاد

لمناسبة مرور ١١٠ سنوات على ولادته، في ٢٨ تشرين الثاني من العام ١٩١١، في بحرصاف - المتن الشماليّ:

اشترك في خدمة الخبر السريع على واتس آب

شربل شربل


عزيزي توفيق
أنت تكبر الروائيَّ الكبير، نجيب محفوظ، ببضعة عشر يومًا، لكأنّكما أتيتما موطنَي النهضة، لبنان ومصر، لإرساء دعائم فنّ القصّة الحديثة التي قلت عنها، في مقدّمة ” الصبيّ الأعرج”، إنّها ” مرآة الحياة بكلّ ما في الحياة”.
إمتشقت القلم قبل بلوغك العشرين، وقبل حصولك على شهادة الحقوق من جامعة دمشق.
ولم يثنك العمل اليوميّ في الصحافة عن خوض ميدان الأدب فأتحفت المكتبة العربيّة والقرّاء بصبيّك الأعرج (١٩٣٦) الذي جسّدت من خلاله، بصورة حيّة واقعيّة، الحديث الشريف “كلّ ذي عاهة جبّار”، والذي حمل ناسك الشخروب على القول “يخيّل إليّ أنّ توفيق يوسف عوّاد ما تعلّم الكتابة إلّا لتكتب القصّص. بصر يلحظ دقائق الأمور، وبصيرة تستقطر، حتّى من التوافه، عصارةً طيّبة، في أسلوب متدفّق، خفيف، وهّاج “.
ونسجت، في السنة التالية (١٩٣٧)، مجموعة ” قميص الصوف” التي تابعت فيها الغوص على خفايا النفس البشريّة، ونقل دقائق العيش، بأسلوب بديع، على كونه من السهل الممتنع.
وفي السنة (١٩٣٩) خطوت خطوةً عملاقةً عندما نشرت ” الرغيف” وأسهبت في وصف الاستغلال الاجتماعيّ والصراع القوميّ، وبرعت في تصوير همجيّة الاستعمار التركيّ، وفي تصوير تصدّي أبطال الرواية بعنف مارسته المرأة ( زينة) كما الرجل ( سامي عاصم). لقد أشدت بالفضائل العربيّة وشدّدت على أنّ الصراع العربيّ التركيّ هو صراع قوميّ، واعتبرته مؤشِّرًا إلى ولادة القوميّة العربيّة الصحيحة. وما كان أبرعك في وصف مشاهد العنف!
وفي العام (١٩٤١)، استقلت من جريدة النهار، ودخلت السجن لمدّة شهر لتأييدك الحلفاء ضدّ حكومة ڤيشي، ثمّ أسّست مجلّة ” الجديد” التي جعلتها منبرًا لمناهضة الانتداب وللمطالبة بالاستقلال.
وفي العام ( ١٩٤٦) دعيت إلى دخول السلك الدبلوماسيّ فلبّيت الدعوة، وتنقّلت ما بين بيونس أيرس والعديد من العواصم، وصولًا إلى روما حيث بلغت سنّ التقاعد.
بصراحة، لا أدري لماذا توقّفت عن النشر من السنة ١٩٤٤(العذارى) إلى السنة ١٩٦٢( السائح والترجمان).
ولن أتحدّث عن “فرسان الكلام” الذي أطلقت فيه على ميخائيل نعيمه اللقب “ناسك الشخروب” ولن أتوقّف عند “غبار الأيّام” لكن دعني أتوقّف عند الرواية البالغة الأهمّيّة “طواحين بيروت” التي كتبتها في طوكيو، وأعدت كتابتها ثلاث أو أربع مرّات، حتّى رضيت بنشرها في العام ١٩٧٣، ولهذا الأمر دلالات كثيرة فنّيّة وشخصيّة.
لطواحين بيروت مكانة خاصّة في نفسي، فلقد قمتُ بعرضها بعد صدورها بقليل في حلقة ثقافيّة شهريّة غير رسميّة ولا مرخّصة، كانت تضمّ نخبة من الأصدقاء. لقد كنت رؤيويًّا، حلّلت مصادر الجعجعة التي كانت تضجّ بها الساحة السياسيّة اللبنانيّة، ونقلت الواقع على طريقة “من له أذنان سامعتان فليسمع”. وأُدرجت روايتك في أرقى اللوائح قيمةً، وأَدرجت منظّمة الأونيسكو اسمك في لائحة ” الكتّاب العالميّين الأكثر تمثيلًا لعصرهم” وأوصت بترجمة آثارك إلى مختلف اللغات.
وقد استمتعت سنوات بتعليمها، بعد إدخالها في البرامج سنة ١٩٩٦.
أمّا مؤلّفك ” حصاد العمر ” فمنتهى الروعة وقمّة العطاء، وقد بنيته على الحوار الداخليّ
فجاء أسلوبه فريدًا.
كثيرًا ما طُرح عليّ السؤال: أيّ كتب توفيق يوسف عوّاد هو رائعته؟ وغالبًا ما كنت أعتذر عن عدم التعيين لأنّك لم تترك إلّا الروائع.
وأخيرًا، ذكرت في مقدّمة المؤلّفات الكاملة – مكتبة لبنان ١٩٨٧- أنّك تعرّضت لاعتداء قام به اليهود على السفارة اللبنانيّة في روما حيث كنت سفيرًا، وذلك احتجاجًا على سياسة لبنان المؤيّدة للفلسطينيّين، ونجوت من الموت في آخر لحظة. فهل كنت تتصوّر أنّك ستقضي نحبك بقذيفة أخويّة في ١٦ نيسان ١٩٨٩، وأنت مختبئ في ملجأ السفارة الأسبانيّة في بعبدا، وقضت نحبها معك ابنتك الشاعرة سامية، وصهرك السفير الأسبانيّ (de Aristegui)؟
– أنا أرشّحك لنيل جائزة نوبل، بعد الاستشهاد، فما رأيك؟
٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢١
شربل شربل

اشترك في خدمة الخبر السريع على واتس آب

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: