مقالات

تعريب وأنقاض

اشترك في خدمة الخبر السريع على واتس آب

شربل شربل


من أقصر الطرق التي نعتمدها، في اللغة العربيّة، لتأدية المعاني الوافدة والمستحدثة، إذا تأخّرت الترجمة وإيجاد مصطلحات وافية، التعريبُ. وهو اعتماد اللفظة الأجنبيّة، كما هي، أو مع شيء من التعديل؛ والألفاظ المعرّبة كثيرة جدّا، وعلى سبيل المثال، لا الحصر: الفورم، السينما، الراديو، التلڤزيون، الانترنيت…
ومنها ما نستعمله مع معرفتنا بما يعادله في العربيّة كالبرلمان، والأسّنسور، والمانشيت، والموتور، والدش، والدوش، والڤيتاس، والرسّور، والسندويش…
ومنها ما أضحى مقبولًا لأنّه بالغ الدلالة، يحمل في طيّاته معنى دقيقًا ومحدّدًا، كالديمقراطيّة، والليبراليّة، والنيوليبراليّة، والقروسطيّة ( نسبةً الى القرون الوسطى).
ومنها ما يبدو غريبًا، سمجًا، گ” الدمقرطة” ( = la démocratisation). وهذه اللفظة شاع استعمالها عندما ظنّت الولايات المتّحدة، خصوصًا، أنّ بإمكانها فرض الديمقراطيّة على عدد من مجتمعات العالم الثالث، والوصول إلى شرق أوسط جديد…
وقد راجت في الآونة الأخيرة، بعد أن سطا ” لصوص المصارف” على مدّخراتنا، وتسبّبوا بالأزمة الاقتصاديّة الخانقة، مجموعةٌ من الألفاظ الماليّة والاقتصاديّة، منها ما يلقى قبولاً نفسيًّا، من مثل ” الدولرة، والفريش دولار “، ومنها ما تتقيّأه النفس مثل ” الهيركات” الذي يستهدف تشريع نهب ودائعنا، والسطو على جزء ممّا بقي بطريقة ” شرعيّة”، عوض استعادة الأموال المنهوبة ومحاكمة السارقين. ومنها “الليلرة”، وهي آخر بدعة يروّج لها زبانية الطغمة الحاكمة الناهبة، وتعني تحويل مدّخراتنا بالعملة الأجنبيّة إلى الليرة، وهي عمليّة شبيهة بإجبارك على تحويل سيّارتك في النافعة إلى ” أنقاض”.
من ذكريات أيّام الصبا أنّني كنت يومًا في زيارة أحد أصدقائي وأردنا الذهاب إلى السوق فاستأذن والدته، وسألها قائلًا: هل أجلب معي شيئًا؟ فأجابته : ما تنسى تجيب “الجِرْنيل”. لم أفهم المقصود، فسألته، بعد أن صرنا في السوق: ماذا تريد أمّك من السوق؟ فأجابني: الجِرْنيل. ولمّا لاحظ أنّني لم أفهم، أردف قائلًا: الجريدة، يا صديقي 😊 le journal) فأمّي تحبّ قراءة الجَرانيل، كما يقول المصريّون( = les journaux).
وعلى أمل أن تكون “الليلرة” خاتمة أحزاننا، أنهي هذا الكلام من دون خاتمة…
٧ كانون الثاني ٢٠٢٢
شربل شربل

اشترك في خدمة الخبر السريع على واتس آب

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: