اليوم العالمي للقهوة

في مثل هذا اليوم، الأوّل من تشرين الأوّل، من كلّ عام، وابتداءً من العام ٢٠١٥، يحتفل العالم باليوم العالميّ للقهوة.

إنّه مناسبة لعرض أصناف مختلفة منها وتذوّقها، ودعم ملايين المزارعين والعاملين في هذا القطاع.

قد يعود اكتشاف مفعول حبيبات البنّ إلى القرن الخامس، لكنّ الانتشار التجاريّ لم يحصل قبل القرن الخامس عشر.
يقال إنّ أصل التسمية عربيّ، من الفعل “قها” أي سدّ الشهيّة. وقد استُعملت اللفظة “قهوة”، قديمًا، للدلالة على النبيذ. ومن ذلك ما جاء في معلّقة الأعشى، الشاعر الجاهليّ، الذي تحدّث عن الفتية الذين كان ينادمهم، فقال:
نازعتهم قُضُبَ الريحان متّكئًا و” قهوةً” مُزّةً راووقها خضلُ
لا يستفيقون منها، وهي راهنة إلّا بهاتِ، وإن علّوا وإن نهلوا

ومن ذلك ما جاء في ديوان أبي نواس العبّاسيّ(٧٥٦- ٨١٤):
يا خاطب ” القهوة السمراء” يمهرها بالرطل يأخذ منها ملأه ذهبا
قصّرت بالراح فاحذر أن تسمّعها فيحلف الكرم ألّا يحمل العنبَ

لا أدري ما الذي دفع عددًا من أولي الشأن الدينيّ والسياسيّ إلى تحريم شرب قهوة البنّ، في أماكن كثيرة من العالم. وعلى سبيل المثال، فإنّها ظلّت حرامًا في الدولة العثمانيّة إلى أن أصدر السلطان سليمان الأوّل مع المفتي الأكبر فتوى تسمح باستهلاكها، سنة ١٥٢٤.
كذلك كانت الكنيسةُ الأرثوذكسيّة الأثيوبيّة تُحرّم شربها في القرن الثامن عشر.
ومن طريف ما جاء في أخبار شعراء بلاط الأمير بشير الشهابيّ الثاني، أنّ المعلّم بطرس كرامة( ١٧٧٤- ١٨٥١)، دخل على الشيخ ناصيف اليازجيّ( ١٨٠٠- ١٨٧١) فرآه يرشف قهوة، فخاطبه قائلًا:
قهوة البنّ حرامٌ قد نهى الناهون عنها

فأجابه الشيخ ناصيف، من فوره:
كيف تدعوها حرامًا وأنا أشرب منها؟

إنتشرت المقاهي في أنحاء العالم، وأحبّ الناس الاستقهاءَ، فتردّدوا إليها للتسليّة وتمضية الوقت… وقد ارتبط تقديم القهوة، في كثير منها، بتدخين النرجيلة، أو السيجارة، أو بمضغ القات، كما في اليمن السعيد.

وكانت العادة عندنا، قبل تطوير تعليب البنّ المطحون في أكياس محكمة الإقفال لحفظ النكهة، أن يجري تحميص البنّ في المنازل، في محمص أسطوانيّ الشكل، غالبًا، يدار يدويًّا فوق النار، وتفوح منه رائحة البنّ الشهيّة. وكان الناس بذلك يتحكّمون بدرجة التحميص؛ فمن يحبّ القهوة المرّة يكتفي بتشقير البنّ، ومن يفضّلها حلوةً يحمّصه حتّى يصبح أسود غامقًا. أمّا من يحبّها معطّرة بالهال، فيضيف حبّاته إلى البنّ عند التحميص لتطحن معه في ما بعد، أو يغلي حبّة هال غير محمّصة، بعد فقشها، قبل إضافة البنّ إلى الركوة.
وحفاظًا على جودة البنّ، كنّا نحتفظ به، لأيّام معدودة، محمّصًا من غير طحن، ونطحن بحسب الاستهلاك، بمطحنة أسطوانيّة نحاسيّة صفراء، أو خشبيّة مربّعة الشكل، قبل دخول المطاحن الكهربائيّة.
وللقهوة مدمنون يفضّلون إعدادها بأنفسهم، ولهم في ذلك طقوس تمكّنهم من التحكّم بنكهتها وطعمها وبروز ” القشوة” على وجهها، بحسب كمّيّة البنّ المستعملة نسبيًّا، ونوعيّته، ومدّة تعريضها للغلي.
والنسوة، خصوصًا، إذا لم تعجبهنّ قهوةُ المضيفة، يقلن ” خفيفه, بتلعّي النفْس، متل زوم الزيتون”، أو ” تقيله، مثل المجدّرة”…
وبما أنّ طعم القهوة، كطعوم مختلف أنواع المشروبات والمأكولات، يعلق بالذاكرة، فلا عجب أن يقول محمود درويش:” أحنّ إلى خبز أمّي، وقهوة أمّي…”•
ولعلّ أجمل ما يقوله الضيوف بعد ارتشاف القهوة، ليست العبارات المحايدة مثل: “شكرًا”، و “مرسي”و “تانك يو”…. بل التعبير اللبنانيّ الشهير” قهوه دايمه” الذي يتضمّن معنى الدعاء لبقاء المنزل آهلًا ومفتوحًا لاستقبال الزوّار وتقديم القهوة. كذلك القول في المآتم والتعازي ” مَخْلوفه بالفرح” بما يحمله من معنىً تضمينيّ لائق. هذا، ولا يقال “قهوه دايمه”، بعد شرب كوب نسكافه التي تنتجها شركة نسله ونحتت اسمها من الكلمتين نسله وكافيه، أو بعد شرب أيّ نوع من أنواع القهوة السريعة الذوبان كالكابوتشينو.
أمّا ” قهوة أهلا وسهلا” فهي التي تقدّم للضيف الطارئ إذا دخل في أثناء تقديمها ساخنة• وعلى سبيل النكتة يسمّيها بعضهم ” قهوة مع السلامه”•
ومن المفارقات اللافتة، عندنا في لبنان، أن يطلق على الشراب المكوّن من إضافة ماء الزهر إلى الماء الساخن الاسمُ “قهوه بيضا”، ولا علاقة له باللون الأبيض؛ وكان حريًّا أن يطلق هذا الاسم على العرق الممزوج بالماء، مادامت ” القهوة السمراء” ، في بيت أبي نواس الآنف الذكر، تعني النبيذ.

القهوة عروس الصباح لدى الكثيرين من الناس، لا يستطيعون طرد شبح النعاس عن أجفانهم إن لم تكتحل عيونهم برؤيتها، ولا يدبّ النشاط في أجسادهم من غير تشمّمها وارتشافها والاستفادة من دقائق للتأمّل الهادئ، حتّى ولو كانوا منفردين. وهي وصفة مفيدة لتحسين العلاقات الاجتماعيّة، فعندما تدعو شخصًا لشرب القهوة فكأنّك تقول له ضمنًا: تعال نتكلّم بهدوء، ونتفاهم… ولا تكتمل الصبحيّة من دونها. وكما يحلو للإنكليز ارتشاف ” شاي الساعة الخامسة”، يحلو للناس عندنا ارتشاف قهوة العصر، وفي ذلك يقولون ” فوّتْ رحلة مصرْ وما تفوّت قهوة العصر”.

والقهوة التي يرسم ثفلها على باطن الفنجان المقلوب خرائط وأشكالًا متنوّعة، تقدّم لقرّائه مادّة دسمة للتبصير، وكشف البخت، والتسلية وتمضية الوقت، وكلّ ذلك لا يتيحه الشاي والمشروبات الساخنة الأخرى…ولعلّ خير من عبّر عن هذه العادة هو نزار قبّاني في قصيدته “قارئة الفنجان” التي بدأها بقوله:
جلسَتْ والخوفُ بعينيها تتأمّل فنجاني المقلوب
قالت: يا ولدي لا تحزنْ فالحبُّ عليك هو المكتوب…

هذا، والقهوة التقليديّة التي نعدّها يدويًّا في المنازل والمقاهي، والتي نقدّمها بفناجين صغيرة نسبيًّا، هي “القهوة التركيّة”، وقد تشبهها القهوة التي تعدّ آليًّا باستعمال أجهزة كهربائيّة خاصّة، وهي تقدّم مُرّةً، أو محلّاةً. وقديمًا، كان الناس يحلّونها بالدبس لأنّ السكّر كان غالي الثمن.
أمّا ” القهوة المالحة”، فهي التي يقدّمها الأتراك، تقليديًّا، لمن يطلب يد ابنتهم، لاختبار مدى قدرته على تحمّل المصاعب من غير أن يبدي تذمّرًا.
وفي الثامن والعشرين من آب ٢٠٢٢، تمّ تعيين وزير للقهوة وآخر لزيت النخيل في غينيا، بغية تنشيط الأسواق.
ولو أنصف المسؤولون عندنا، لتشبّهوا بمسؤولي غينيا ولاقترحوا، عوض السعي لتعيين وزراء دولة، أن يعيّن وزير للتفّاح وآخر للبطاطا، فالمزارعون يتكبّدون خسائر كبيرة…
قال أبو نواس:
الخمر طيّبةٌ وليس تمامها إلّا بطيب خلائق الجلّاس
فكّرت في وضع ” القهوة” مكان ” الخمر”، ولكنّ الوزن ينكسر، ولو سلم المعنى.
حتّى الذين يتشاءمون من الحوادث الطارئة يستثنون القهوة لأنّ ” كبّ القهوه خير”.

١ تشرين الأوّل ٢٠٢٢
شربل شربل

زر الذهاب إلى الأعلى