مقالات

الخيّام والرباعيّات

اشترك في خدمة الخبر السريع على واتس آب

شربل شربل


للطرب سلطان على النفوس لا ينكره إلّا من كان بليد الطبع، جلمدًا. فكيف إذا اجتمع في المغنى صوتٌ لا يُضاهى، صوت كوكب الشرق، ولحن في الذروة من الروعة، صاغته أنامل رياض السنباطي الذهبيّة، على مقام الرست الشهير الذي لحّن عليه سيّد درويش موشّح “يا شادي الألحان”، لصباح فخري، وفيليمون وهبه ” ورقو الأصفر شهر أيلول” لسفيرتنا إلى النجوم؟ وقبل كلّ ذلك، كلامٌ في غاية الرقّة عرّبه عن الفارسيّة شعرًا المبدع أحمد رامي، ومضمون فلسفيّ تأمّليّ يختصر معاناة ” عمر الخيّام” الغنيّة؟
لكأنّك، وأنت تستمع إلى الرباعيّات، في حيرة أمام هذا الفنّ المركّب، تسأل نفسك: أيّها له الفضل الأكبر، النصّ بما أبدع فيه المؤلّف والمعرّب، أم اللحن بما قسّم، ووزّع، وجنّح الموسيقار، أم الصوت بما أطربت، وشنّفت المطربة؟ أم أنّ هذه التركيبة ” الرباعيّة الدفع”، باجتماع أربابها حلّقت معًا؟
أمّا قولنا ” النصّ أوّلًا”، فلا يعني بالضرورة تفضيله، بل يشير إلى سبقه التكوينيّ والزمانيّ إلى الظهور؛ فلولاه لما لحّن السنباطي، ولا غنّت أمّ كلثوم.
والرباعيّات، موضوع الكلام، تنسب إلى عمر الخيّام. وهو عالِم فلك ورياضيّات، وفيلسوف، وشاعر فارسيّ، ولد في نيسابور في العام ١٠٤٨، وتوفّي فيها، في مثل هذا اليوم، الرابع من كانون الأوّل، من العام ١١٣١.
لقد درس في نيسابور، وانتقل إلى بخارى، ثمّ إلى سمرقند. ودعي إلى أصفهان ليكون مستشارًا لملك شاه الأوّل… حيث أنشأ مرصدًا فلكيًّا وتوصّل إلى تحديد التقويم الفارسيّ الدقيق والمعتمد حتّى أيّامنا. أمّا في الرياضيّات فابتكر علم المثلّثات (trigonométrie). وقد كان يتغنّى بالرباعيّات التي نقلت عنه ولم تنشر إلّا بعد ثلاثة قرون على رحيله.
والرباعيّة تتألّف من أربعة شطور، تستقلّ بموضوعها وصياغتها عن غيرها، وقد تتلاقى معها في الدوران حول أسئلة التأمّل الفلسفيّ عن الطبيعة، والواقع، والأبديّة، وعدم الثبات واليقين في الحياة، وعلاقة الإنسان بالإيمان…
والخيّام يترجّح في رباعيّاته ما بين الإلحاد الصريح والإيمان. والأمثلة على ذلك كثيرة. والصفة الغالبة على الخيّام فيها هي صفة الأبيقوريّ الذي يرى العيش فرصة لتحصيل اللذّة التي تعتبر غاية الحياة الزائلة، ويدعو إلى اقتناص اللذات، كما في قوله:
واغنم من الحاضر لذّاته فليس في طبع الليالي الأمان
إنّه شبيه طرفة بن العبد الذي قال “أرى العيش كنزًا ناقصًا كلّ ليلة” ما يبرّر الدعوة إلى انتهاب الفرص، قال :
ولست بالغافل حتّى أرى جمال دنياي ولا أجتلي
والخيّام يلاقي أبا نواس في مذهبه، وخصوصًا في ارتكاب الخطايا، عن سابق تصوّر وإصرار، اتّكالًا على عفو الله، فالنواسيّ يقول:
ترى عندنا ما يغضب الله كلّه من العمل المردي الفتى “ما عدا الشركَ”
والخيّام يقول:
إن لم أكن أخلصت في طاعتكْ فإنّني أطمع في رحمتك
وإنّما يشفع لي أنّني قد عشت “لا أشرك في وحدتكْ”
ولعلّ هاجسهما المشترك هو صدًى للآية الكريمة ” إنّ الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر من دون ذلك ما يشاء” (سورة النساء ٤٨)
وقد حرص منتجو الأغنية على تغليب الطابع الإيمانيّ على النصّ المغنّى بتركيزهم على الرباعيّات التي يُظهر فيها الشاعر ندمه وتوبته، كما حرصوا على إنهائها بقوله:
يا عالِم الأسرار علم اليقينْ يا كاشف الضرّ عن البائسين
يا قابل الأعذار عدنا إلى ظلّك فاقبل توبة التائبينْ
سبعون سنةً مرّت على إنتاج هذه الرائعة ومازالت تمثّل علامة فارقة في تاريخ الغناء العربيّ، يطرب لها محبّو هذا النوع، ويُعاد إنتاجها بأصوات جديدة لإبقائها حيّةً في نفوس المتذوّقين، وتراثًا قوميًّا لا يجوز التفريط به، أو إهماله.
أخيرًا، أشير إلى أنّ الرباعيّات وجدت طريقها إلى الإنكليزيّة سنة ١٨٥٩، في حين نقلها أحمد رامي إلى العربيّة سنة ١٩٥٠. وتذكر المراجع أنّ ترجمتها إلى الإنكليزيّة كان لها تأثير كبير في حركة الاستشراق وانتشاره بين الأوروبيّين.
*** آخِرًا، عزيزي القارئ، إذا لم تحرّك فيك هذه المقالة الرغبة في الاستماع إلى الرباعيّات، فلا تلمْ إلّا نفسك!
في ٤ كانون الأوّل ٢٠٢١
شربل شربل

اشترك في خدمة الخبر السريع على واتس آب

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: