مقالات

الأخطل الصغير (١٨٨٥ – ١٩٦٨)

في مثل هذا اليوم، ٣١ تمّوز، من العام ١٩٦٨، أسلم بشارة الخوري الروح

أعلن معنا على الرقم: 03576768
ولد في إهمج وما لبث أن انتقل إلى بيروت ليرتاد مدرسة الحكمة ومدرسة الفرير، ويتتلمذ على أيدي أساتذة فصحاء، بلغاء، تصفّت لغتهم من ركاكة عصر الانحطاط، ما مكّنه من تنمية موهبته الفطريّة والاتّجاه بكلّ ثقة إلى حرفة الكتابة.
أسّس جريدة البرق(١٩٠٨) التي يقول المؤرّخ يوسف ابراهيم يزبك في “أوراق لبنانيّة” إنّ جامعة الدول العربيّة ولدت في مكاتبها. وفيها تلقّى تحذيرًا أخويًّا من صديقه محمّد كرد علي أبلغه فيه بضرورة إتلاف كلّ ما يدينه، والهرب، لأنّ اسمه كان مدرجًا على لائحة جمال باشا لإعدامات ٦ أيّار التي طاولت عددًا من الصحافيّين الوطنيّين. فهرب إلى ريفون، وراح يكتب تحت الكنية ” الأخطل الصغير” •
إنّه شاعر ” الهوى والشباب”، تغزّل وأبدع، وتغنّى بقصائده كبار المغنّين في زمانه. فهذا فريد الأطرش يغنّي:
عِشْ أنتَ إنّي متّ بعدك وأَطِلْ إلى ما شئت صدَّكْ
و: أضنيتني بالهجر ما أظلمك! فارحمْ، عسى الرحمنُ أن يرحمكْ
ما كان أحلى قبلاتِ الهوى إن كنتَ لا تذكر فاسألْ فمكْ
وهذه أسمهان تتغنّى بالقصيدة:
إسقنيها بأبي أنت وأمّي
إسقنيها لا لتجلو الهمّ عنّي أنت همّي
وهي تدرج في باب الخمريّات التي برع فيها، وهو القائل:
يا ذابح العنقود خضّب كفّه بدمائه بوركت من سفّاحِ
أدبُ الشراب إذا المدامة عربدت في كأسها ألّا تكون الصاحي
ولد الهوى والخمر ليلة مولدي وسيُحملان معي على ألواحي
وهذه فيروز تتغنّى بالرائعة:
يبكي ويضحك لا حزنًا ولا فرحًا ### كعاشقٍ خطّ سطرًا بالهوى ومحا
أمّا عبد الوهّاب، فسئل لمن لحّنت من الشعراء؟ فذكر مجموعة منهم ولم يذكر الأخطل الصغير، فقال له الصحفيّ: وهل نسيت الأخطل؟ فأجابه: لا، لم أنسه ولكنّ قصائده كانت تأتي ملحّنة وأنا أدّيتها.
ومن هذه القصائد:
جفنه علّم الغزلْ ومن العلم ما قتلْ
ومنها: الهوى والشباب والأمل المنشود توحي فتبعث الشعر حيّا…
أأنا العاشق الوحيد لتلقى تبعاتُ الهوى على كتفيّا؟
أمّا الأغنية التي مزج فيها العاميّة المصريّة بالفصحى بناءً على طلب عبدالوهّاب لكي يفهمها الفلّاح الصعيديّ والمتعلّم أيضًا، فهي: يا ورد مين يشتريك وللحبيب يهديك، التي قال فيها:
شُقّت جيوب الغزل وانبحّ صوتُ القُبلْ
على الشفاه التي تشرب من مهجتي…
ولكن، لا تظنّنّ أنّه اقتصر على الغزل والخمريّات، فأكثريّة شعره في الثورة والوطنيّات والاجتماعيّات… يكفي أن نمثّل عليه بالقصيدة:
يا أمّةً غدتِ الذئاب تسوسها غرقت سفينتُها، فأين رئيسها؟
غرقت فليس هناك غير حطائمٍ يبكي مؤبّنها ويضحك سوسها
تَعَسًا لها من أمّةٍ أزعيمها جلّادُها، وأمينها جاسوسها…
هبطوا الجحيم فردّهم بوّابُها إذ خاف من إبليسهم إبليسُها
وفي وصف لبنان يقول:
لبنان كم للحسن فيك قصيدة نثرت مباسمها عليها الأنجمُ
كيف التفتَّ فجدولٌ متأوِّهٌ تحت الغصون وربوةٌ تترنّم
ومن شعر الوطنيّات:
سائلِ العلياء عنّا والزمانا هل خفرنا ذِمّةً مذ عرفانا
المروءاتُ التي عاشت بنا لم تزل تجري سعيرًا في دمانا
ومنه:
قم نقبّل ثغر الجهاد وجيدهْ أشرقَ الكونُ يوم جدّد عيدَهْ
أمّا القصائد الاجتماعيّة، كالمسلول وغيرها، فأكثر من أن تعدّ، ولا يتّسع المجال لذكرها…
أمّا الأبيات الرائعة التي ألقاها في يوم تكريمه، فمنها:
أيوم أصبحت لا شمسي ولا قمري من ذا يغنّي على عود بلا وترِ؟
ما للقوافي إذا جاذبتها نفرت رعت شبابي وخانتني على كبر
كأنّها ما ارتوت من مدمعي ودمي ولا غذتها ليالي الوجد والسهر…
وقد لا تكون من تأليفه، وإبنه الشاعر عبدالله الأخطل، صرّح بأنّه مؤلّفها، لأنّ حالة والده الصحّية لم تكن تسمح له بمثل هذا الإبداع.
صدق أمين نخله الذي مثّل لبنان في حفلة تكريمه بقوله:
أيقولون أخطلٌ وصغيرُ أنت في دولة القوافي أميرُ
ولك التاج والمطارف والبُرْ دُ، وركنٌ مجلّلٌ، وسرير
فاسحبِ الذيلَ ما تشاءُ، وجرّر إنّ ملك البيان ملك كبيرُ!
فيا أمير الشعراء،
كلّما قرأتك أُحلّق على جناحي نسر، وأهبط في بستان ورد، وأدلف إلى أقبية الخمر ودور الطرب، وأُكبِر فيك الريادة في الثورة القلميّة، والجرأة الملتزمة في التصدّي للذئاب اللئيمة التي غدت تسوس الأمّة.
ولئن قلتَ :
صغت القريض وما لي في القريض يدٌ
يد الطبيعة فيه أو يد القدر
إنّ المواهب لا فضلٌ لصاحبها
كالصوت للطير أو كالنشر للزَهَرِ
فهذا من باب تواضعك. ونحن على حفظ فضلك ونشر إبداعك ونقل شعلة عاطفتك الوطنيّة والقوميّة إلى الأجيال الجديدة باقون.
” يا أمّةً غدت الذئابُ تسوسها…”
إلى متى؟!
٣١ تمّوز ٢٠٢٢
شربل شربل
ابدأ مسيرتك الفنية اليوم

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: