مقالات

إبن عربي (١١٦٤م -١٢٤٠)

في مثل هذا اليوم، ٢٨ تمّوز، من العام ١١٦٤، ولد المتصوّف إبن عربي.

أعلن معنا على الرقم: 03576768
مفكّر كبير كتب مئات الكتب والرسائل، وترك، في نفوس الغالبيّة الساحقة ممن يعرفون شيئًا عنه، انطباعًا بأنّه مُتعالٍ على الانقسامات الطائفيّة، والدينيّة، والعرقيّة التي تفرّق، وتباعد، ما بين الناس في مختلف المجتمعات.
وقد اقتصرت معظم الكتابات عنه على الاستشهاد بأشهر أبياته القائلة:
لقد صار قلبي قابلًا كلّ صورةٍ فمرعًى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحف قرآنِ
أدينُ بدين الحبّ أنّى توجّهتْ ركائبُه، فالحبّ ديني وإيماني
ما جعله قُطبًا من أقطاب التسامح، والانفتاح الإنسانيّ المثاليّ، ومحا ما عداه من مواقف هذا الشيخ المتصوّف الذي كان، قبل أن يعتنق دين الحبّ، شديد التعصّب، عنيفًا في مواجهة من لا يؤمن إيمانه، داعيًا إلى التشدّد وإقامة الحدود.
وخير دليل على ذلك ما ورد في رسالته إلى “كيكاووس”، وهو حاكم استردّ أنطاكية من يد الروم لبعض الوقت، والتي حضّه فيها على عدم التسامح، مذكّرًا إيّاه بالشروط التي اشترطها الخليفة عمر بن الخطّاب، قبل حوالى خمسة قرون، على أهل الذمّة أنفسهم الذين ” صار” قلب ابن عربي قابلًا صورهم، وصور الوثنيّين أيضًا، كما جاء في الأبيات.
قد يبدو الأمر وكأنّه تناقض، ولكنّه، في الحقيقة، تطوّر نوعيّ طرأ على مسيرة الشيخ ابن عربي الفكريّة نتيجةً لتجربته الروحيّة؛ وقد اعترف بذلك في بيت سبق الأبيات الآنفة الذكر، ويَغفل الدارسون عن الاستشهاد به، على أنّه بالغ الدلالة على ما نقوله من تطوّر مفهوم الشيخ لعميق الإيمان، هو الذي يعتقد أنّ كلّ إنسان مؤمن في جوهره، والبيت هو:
لقد كنت، قبل اليوم، أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
بين” كنت” و” صار” مسيرةٌ طويلةٌ قطعها الشيخ الذي كان دائم اليقين من أنّه، ومن خلال ما ” يراه، ويؤوّله” بوصفه متصوّفًا، خاتم ” الولاية المحمّديّة”، الذي يختلف عن المهديّ المنتظر في التراث الشيعيّ.
يقول ابن عربي: ليس في العالم مرضٌ يحتاج لعلاج، بل فيه تعصّبٌ يحتاج للتواضع.
ولقد تطوّر ابن عربي من التعصّب إلى التواضع، من الانغلاق إلى الانفتاح، من ظلاميّة النظرة إلى ضياء الرؤية.
وغنيّ عن البيان أنّ المقصود بالتطوّر هو السير نحو الأفضل عبر خلع القفص الحديديّ الذي يغلّف العقول، ونبذِ التعصّب الذي ينافي الأخلاق في تفضيله شرّ الأقربين على خير الأبعدين، وتنقيةِ القلب من الكزينوفوبيا، وتمرينِ النفس على استشعار حلاوة الحبّ العظيم.
أمّا التواضع فضروريّ لأنّ كلّ متعصّب لدينٍ يعتقد أنّه فوق الآخرين، الذين لا يؤمنون إيمانه، منزلةً وأكثر منهم قربًا من الله، وبذا يأنف من أن ينحدر إلى مستوى غيره أو من أن يرفع غيره إلى منزلته.
وتجربة ابن عربي تجربة فرديّة، مضيئة، تستنير بضوئها النفوس المنفتحة الحسّاسة، لكنّ اجتياز مضائق التعصّب الكاره إلى رحابة التسامح المحبّ ليس حتميًّا،” فالأغبياء والموتى لا يتغيّرون”.
من أشهر الذين تأثّروا بإبن عربي الشاعر الفارسيّ شمس الدين حافظ الشيرازي(١٣١٥)الذي يقال إنّ الشاعر الألمانيّ غوته( ١٧٩٤) درس اللغة الفارسيّة ليقرأ شعره. كما تأثّر به، وقصد دمشق وعاش وعلّم فيها ليسير على خطاه، عبد القادر الجزائريّ (١٨٠٨).
لست أدري من القائل .” المدهش في الحمقى الشباب هو أنّ كثيرين منهم يعيشون ليصبحوا حمقى مسنّين”. أتذكّر هذا القول كلّما شاهدت على الشاشات محلّلين صغارًا يدافعون عن أنظمة توتاليتاريّة تضرّجت أيدي أربابها بدماء معارضيهم، وغصّت سجونها بالأحياء منهم، وزرعت الخنوع والطاعة العمياء في نفوس الرعايا المحكومين. وأتذكّره كلّما فاحت رائحة التعصّب من مواقف أولي الشأن الذين تنقاد إليهم رقاب مجموعات لا تدري إلى أين يسيّرها عماها.
ما أحوجنا إلى الاستضاءة بنبراس ابن عربي!
لأنّه مثل ومثال. نأخذ رمزيّة انفتاحه، وتواضعَه، وخلعَه نير التعصّب وصولًا إلى رحاب التسامح.
متى يزور التواضع نفوس المتعصّبين؟
ابدأ مسيرتك الفنية اليوم

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: