مقالات

أُنسي الحاجّ

في مثل هذا اليوم، ٢٧ تمّوز، من العام ١٩٣٧، ولد الكاتب والشاعر أُنسي الحاجّ، وتوفّي في العام ٢٠١٤.

أعلن معنا على الرقم: 03576768
بدأ عمله الصحافيّ قبل بلوغه العشرين، وأصبح مسؤولًا عن الصفحة الثقافيّة في جريدة النهار، وترأّس تحرير عدد من المجلّات…
تميّز بقصيدة النثر، وأسهم، مع يوسف الخال وأدونيس، في تأسيس “مجلّة شعر”.
نشر مجموعة من الدواوين،” لن” (١٩٦٠)، و”الرأس المقطوع” و… ومجموعة مقالات ” كلمات، كلمات، كلمات”، ومجموعة تأمّلات “خواتم” في جزءين…
تعلّقنا، منذ أيّام الصبا، بكتابات أنسي، وكنّا ننتظر بفارغ الصبر صدور الملحق الأسبوعيّ عن جريدة النهار الذي كانت تحتلّ الصفحةَ ما قبل الأخيرة منه مقالةُ أنسي، التي كثيرًا ما كانت ناريّةً، ثوريّةً، تحرّك مشاعرنا بما تحمله من شحنات عاطفيّة صادقة، وتثير اهتمامنا بما تحفل به من جرأة في مواجهة الفاسدين و” الأوثان”، وترضي عقولنا الباحثة عن وجهات نظر نقيّة، جريئة، لا تساوم…
في ذكرى ميلاده التاسعة والسبعين، احتفلت غوغل بأنسي في ٢٧ تمّوز من العام ٢٠١٦.
أقف متأمّلًا قولًا لأنسي ( خواتم ٢ – ١٩٩٧)، قال: ” يحتاج العالم الثالث، كي يصبح فيه الإنسان قيمةً مقدّسةً، إلى تعزيلات أساسيّة كثيرة، لعلّ في طليعتها تحوّل الدين إلى علاقة فرديّة، ذاتيّة وداخليّة، بين الإنسان والله، ومنعه من أن يظلّ وحشًا جماهيريًّا سرعان ما يتمّ تجييشه للإبادة أو الانتحار.
من غير ذلك سيظلّ الدين في العلم الثالث مسدّسًا للاغتيال، ومدفعًا للهدم، وسكّينًا للذبح، ومطيّةً للدسّ الخارجيّ والتسلّط الداخليّ”.
تعزيلات كثيرة كثيرة، نحن بحاجة إليها، ولكنّ المنطق يقضي بتقديم الأهمّ على المهمّ. والأهمّ، في رأي أنسي، هو جعل الدين، كما ينبغي له أن يكون، علاقة فرديّة ذاتيّة وداخليّة، بين الإنسان والله، و”منعه”، نعم منعه، أي صدّه وزجره وقمعه وردعه، من أن يظلّ “وحشًا جماهيريًّا. . . “. أجل، الدين، في العالم الثالث، وحش جماهيريّ، سرعان ما يتمّ تجييشه “للإبادة أو الانتحار”. وليس هذا، على كلّ وحشيّته وبشاعته فقط، بل هو “مسدّس” للاغتيال، و”مدفع” للهدم، و”سكّين” للذبح، و”مطيّة” للدسّ الخارجيّ والتسلّط الداخليّ، أيضًا.
يكفي إحصاء هذا الحقل المعجميّ لمساوئ هذا” الوثن” الذي نسمّيه الدين، في العالم الثالث، والتأمّل في سلبيّاته لندقّ ناقوس الخطر وندعو إلى التصدّي له.
ولعلّ أسوأ ما يضغط على العقول ويكبّل الأقلام، أنّني مضطرّ إلى المسارعة للتوضيح بأنّني لا أهاجم الدين بوصفه عبادةً راقية، وإيمانًا صادقًا، وفطرةً طبيعيّة، ونعمةً سماويّة، ومعاملةً حسنة، ورحمةً للعالمين. . . ، ولكنّني أؤيّد التوصيف الذي أعطاه أنسي الحاجّ للدين، أو التديّن أو التعصّب أو. . . ، الذي يُمارس على أنّه الدين القويم، في حين أنّه وجهة نظر فيها انزياح متطرّف لدى فئة من المؤمنين غير المعتدلين في إيمانهم.
أجل، أهاجم هذا الانحراف في النظر إلى الدين الذي يجعل منه تديّنًا أخرق يسحق إنسانيّة الإنسان، ويقزّمه ويشيطنه ويفرّقه، ليس فقط عن أخيه في الإنسانيّة، بل قد يفرّقه عن أبيه الطبيعيّ وأخيه الذي ولدته أمّه، وقد يدفعه إلى إعدام أمّه علانية، إن لم يكونوا على صورته في معتقده وممارساته الهمجيّة.
أهاجم هذا الانحراف الذي يستحلّ القتل والذبح والتشريد والسبي والإبادة والتسلّط. . .
أهاجم كلّ دين يقوم على خلفيّة تكفيريّة.
أهاجم كلّ ما يُثقل كاهل الإنسان ويضع في رجليه القيود، ويقيم أمام فكره ولسانه وإبداعه الحدود.
أهاجم كلّ ما لا يأخذ بعين الاعتبار أنّ الإنسان ” قيمة مقدّسة”، بحدّ ذاته.
أهاجم كلّ من يدّعي أنّه ” يحبّ الله الذي لا يراه وهو يكره أخاه الذي يراه”.
أهاجم كلّ من لا يعتبر، مع طاغور، ” أنّ الأديان، جميعًا، كالأنهار تصبّ في بحر واحد هو الله”.
أهاجم كلّ من يتمسّك ب “الحرف” الذي يقتل ويغفل عن “الروح” الذي يحيي.
أهاجم كلّ من يعمل على إبقاء الدين ” أفيونًا للشعوب” عوض تحويله إلى ” إكسير سحريّ” لها.
فمتى، متى نستطيع تحويل الدين إلى “رافعة” تشيل بالإنسان إلى فوق، عوض أن يبقى ” حجر رحى” معلّقًا في أعناقنا، يغرق ويغرقنا في بحر الدماء معه؟
“أنسي،
لم يتغيّر شيء، مازلنا، على وقع كلماتك، ننتظر”!
٢٧ تمّوز ٢٠٢٢
شربل شربل
ابدأ مسيرتك الفنية اليوم

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: