أنا هنا…

فاجأني، وأنا في عزّ النوم، طيفٌ مربوع القامة، لم أتبيّنْ ملامحَه. بادرتُه بالسؤال: من أنت؟ وما الذي سرى بك، في هذا الهزيع الحالك؟

⁃ أنا… أنا هنا. حدّقْ، ألا تذكر من أنا؟

⁃ وكيف أذكر من لم ترَه عيني، يومًا؟ أمّا كلامُك فيبدو لي مقتبَسًا من قول أبي ماضي: وطن النجوم…

⁃ وتدّعي أنّك لم تعرفني؟

⁃ ولماذا لم تطلب موعدًا لزيارتي، كما تقتضي آداب السلوك؟

⁃ ظننت أنّني لست بحاجة ما دمتَ قد أسّسْتَ الموقع” وطن النجوم، محبّو إيليّا أبو ماضي…”، لذلك سمحت لنفسي بتجاوز الشكليّات…

⁃ لتشكرني على محبّتي واهتمامي بنشر كلماتك؟

⁃ لا. لا. ليس لشكرك، وإنّما لمعاتبتك؛ فكيف لمن يحبّني ألّا يذكرَني في الثالث والعشرين من تشرين الثاني، تاريخ وفاتي، في العام ١٩٥٧؟

⁃ “العتاب صابون القلوب”على ما يقوله نعيمه، زميلك في الرابطة القلميّة. وعتبي عليك أكبر. ولا تُقاس هفوتي هذه بخطيئتك العظيمة.

⁃ التي هي؟

⁃ قولك لسفيرنا يومذاك، جوزف أبو خاطر ” نحن أميركان، وكفى”•

⁃ أتاني مبشّرًا بلبنان جديد، بعد الاستقلال، وظنّ، لفرط حماسته، وطلاقة لسانه، وبراعته في المرافعة، أنّه سيحملني على حزم حقائبي والعودة إلى وطن النجوم.

⁃ وعاتبك، على ما يذكره، قائلًا ما معناه: رسخ فينا حبُّ لبنان، لا بل عشقُه، من خلال كلماتك : وطن النجوم… وسألوا الجمال فقال: هذا هيكلي، والشعر قال : بنيت عرشي فيه…

⁃ صحيح. قلت: إثنان أعيا الدهر أن يبليهما: لبنان والأمل الذي لذويه – نشتاقه والصيف فوق هضابه، ونحبّه والثلجُ في واديه – وطني، ستبقى الأرض عندي كلّها، حتّى أعود إليه، أرضَ التيهِ.

⁃ وهل كنْتَ كاذبًا؟

⁃ لا. لم أكن.

⁃ ولماذا أجبته: الشعرُ شيءٌ، والحياة شيءٌ آخرُ؟

⁃ هي الحقيقة. ولست نادمًا على قولها. وأنت تعرف أنّه مضى على وفاتي خمسةٌ وستّون عامًا، فماذا بقي ورائي؟ وكيف يذكرني الناس؟

⁃ لا زلتَ واحدًا من أحبّ الشعراء الوطنيّين على قلوب اللبنانيّين. قليلون قرأوا كتاب سفيرنا المذكور “لبنان في عالم الدبلوماسيّة” وحفظوا ما قلته له. لذا، ما زالت صورتُك الوطنيّة مشرقةً، وحضورُك في الكتب المدرسيّة لافتًا، وحِكَمُك رائجةً على كثير من الشفاه التي “مازالت” تنطق بالعربيّة. فليس بين اللبنانيّين من لا يعرف: قال السماء كئيبة، وتجهّما. قلت: ابتسم، يكفي التجهّم في السما – كن بلسمًا إن صار دهرُك أرقما، وحلاوةً، إن صار غيرُك علقما – أيّهذا الشاكي وما بك داءٌ، كن جميلًا ترَ الوجود جميلا .

⁃ يسرّني أن أسمع ذلك. إذن، هم يُجمعون على تقديري، مع أنّهم لا يُجمعون على شيء.

⁃ نعم، ولا. لأنّهم يختلفون في حكمهم عليك… يقرأون أقوالك: غلط القائلُ إنّا خالدون… – إنّما القول بأنّا للخلود، فكرةٌ أوجدها حبُّ البقاء… – : لست أدري… فيجزمون بأنّك ملحد. فهل أنت فعلًا ملحدٌ؟

⁃ ” لست أدري”.

⁃ عدنا إلى اللاأدريّة؟

⁃ لم أخرج منها. ولكن، لماذا لا تحكمون على الشعراء بالمقاييس الفنّيّة، فقط؟

⁃ أنا أنقل لك نبض الناس، لا الآراء الأكاديميّة. وفي مطلق الأحوال، أؤكّد لك أنّ الأكثريّة تحبّ وجدانيّتك، ونزعتك البراغماتيّة، وإنسانيّتك، ورفضك للعنف والقتال، وعدم إيمانك بنظريّة النشوء والارتقاء التي جهر بها جبران والتي تقتضي الصراع والعنف لبقاء الأقوى، وقولك: بئس الوغى! يجني الجنود حُتوفَهم في ساحها، والفخرُ للتيجانِ – ما أبشعَ الإنسانَ! يقتل جارَه ويقول: هذي سُنّةُ العمران. ومع ذلك خاطبت الناس قائلًا: إيهِ أبناء الثرى ” نسل القرود” علّلوا أنفسكم بالترّهات – و: ليست الروح سوى هذا الجسد، معه جاءت ومعه ترجع – قلْ لمن يخبط في ليل الظنون ليس بعد الموت للظامئ ريّ… ويبقى سؤال: هل غيّرت رأيك في الحياة، بعد غيبتك؟

⁃ لا زلت عند قولي: إنّ الحياةَ قصيدةٌ، أعمارُنا أبياتُها، والموتُ فيها القافيةْ – متِّعْ لِحاظَكَ في النجومِ وحُسنِها، فلسوفَ تمضي والكواكبُ باقيةْ.

⁃ ولكن، أين أنت؟ وهل تسمعني؟ هل تسمعني؟

⁃ …

٢٤ تشرين الثاني ٢٠٢٢

شربل شربل

زر الذهاب إلى الأعلى