مقالات

في مثل هذا اليوم ٣ آب – ٢٠٠٨

في مثل هذا اليوم، ٣ آب ، من العام٢٠٠٨، توفّي الكاتب الروسيّ الكبير ألكسندر سولجنستين، عن عمر يناهز التسعين عامًا.

أعلن معنا على الرقم: 03576768
ولد يتيمًا سنة ١٩١٨، بعد انتصار الثورة البولشفيّة، وتلقّى تربية أرثوذكسيّة، تركت أثرًا في مواقفه الأخلاقيّة، طيلة حياته.
أظهر ميولًا مبكّرة إلى الأدب والكتابة، لكنّه درس الرياضيّات والفيزياء في الجامعة، أمّا الأدب والفلسفة فدرسهما بالمراسلة.
إلتحق بالجيش السوڤياتيّ، وشارك في الكثير من المعارك. وكتب انتقادات لتصرّفات ستالين، في رسالة خاصّة إلى أحد أصدقائه، وقعت، لسوء حظّه، في يد أجهزة الرقابة، فكان نصيبه تلفيق التهم والحكم عليه بالسجن لمدّة ثماني سنوات.
بعد الإفراج عنه، عمل في التعليم الثانويّ نهارًا، وكان يكتب، سرًّا، في الليل، ويحرص على إخفاء ما يكتبه، كي لا يحاكم كما يحاكم المعارضون للنظام.
سحبت الجنسيّة الروسيّة منه، وطرد من بلاده ليقضي عشرين عامًا ما بين سويسرا والولايات المتّحدة.
خبِر السجون ومعسكراتِ الاعتقال التي تًُفرض فيها السخرة، كما هو معروف. وكتب ما خبره بنفسه، وما عرفه، خصوصًا في ” أرخبيل الغولاغ” و” يوم في حياة إيڤان دينيسوڤيتش”، محذّرًا الناس من معسكرات الاعتقال…
نشرت أعماله في الغرب، ونال جائزة نوبل، سنة١٩٧٠، ولكنّه لم يستطع أن يتسلّمها قبل طرده من الاتّحاد السوڤياتيّ، سنة ١٩٧٤.
أعلن شكوكه في الأسس الأخلاقيّة للنظام السوڤياتيّ، وعبّر عن اقتناعه بأنّ نظام القياصرة كان أكثر حفظًا للكرامة البشريّة من النظام الشيوعيّ.
عاد إلى الاتّحاد السوڤياتيّ، حيث أعيد إليه الاعتبار و منحه الرئيس بوتين جائزة الدولة للغة الروسيّة. ونقل التلڤزيون الروسيّ وقائع جنازته مباشرة على الهواء.
ترك الكثير من الأعمال الأدبيّة العظيمة، لكنّ الأعظم منها، ربّما، كانت مواقفه المعارضة، والعلنيّة، وتحمّله مسؤوليّتها.
ولم يمنعه إعجابه بالنظام السويسريّ وبالديمقراطيّة الأميركيّة من انتقاد الانهيار الأخلاقيّ في الغرب.
لطالما شكّل المفكّرون والكتّاب حالات لافتة، اضطرّوا معها إلى دفع أثمان باهظة؛ فسقراط الذي اتّهم بإفساد شباب أثينا، حكم عليه بالإعدام. وابن المقفّع الذي انتقد السلطة، مواربةً، عبر المثل الخرافيّ، كان مصيره القتل. والحلّاج الذي تطرّف في التعبير عن آرائه وفي مخالفته السائد، كان مآله الصلب.
والأمثلة أكثر من أن تعدّ، هذا إذا تركنا جانبًا شهداء الصحافة وحرّية الرأي،وما أكثرهم!
قديمًا قال ابن الورديّ:
جانبِ السلطان واحذرْ بطشه
لا تعاند من إذا قال فعل
ومع أنّ هذا الكلام يدرج في كلاسيكيّاتنا في باب الأدب الحكميّ، فإنّ الكثيرين من المفكّرين لا يأخذونه بعين الاعتبار، ويعرّضون أنفسهم لبطش البطّاشين، وما أكثرهم!
أكتب هذا الكلام ولا يغيب عن ذهني آلاف المخفيّين قسرًا، القابعين، أو الذين كانوا قابعين، في السجون وهم يسامون أقسى أنواع الذلّ والتعذيب الجسديّ والنفسيّ، وأتحسّس عذابات الأهل والأقارب الذين لا ينسون مفقوديهم، مهما طال الزمن.
كثيرة هي الأعمال الأدبيّة والسينمائيّة التي وصفت حياة المعتقلات والسجون، ولكنّني أنوّه بنوع خاصّ بما تركه المرحوم الدكتور منصور عيد الذي أجاد أيّما إجادة في روايته” غدًا يزهر الثلج” ، في وصفه معاناة الناس في معسكرات الاعتقال. فروايته المذكورة تحكي حكاية عائلة أرمنيّة كانت ميسورة في بيروت، وخدعت بالدعاية السوڤياتيّة فعادت إلى أرمينيا سنة ١٩٤٦، حيث لاقت ما لاقته من مآسٍ. إنّها رواية واقعيّة تستأهل القراءة. وقد سبق لي أن نشرت مقالة عنها في جريدة البلد غبّ صدورها في ١٠/٥/ ٢٠٠٥، وأعدت نشرها في كتابي” الموائد المفتوحة” .
إلى متى؟!!!
شربل شربل
*** المقالة من كتابي” في مثل هذا اليوم”- دار سائر المشرق(٢٠١٩)
ابدأ مسيرتك الفنية اليوم

شربل شربل

أديب، روائيّ، مترجم، ومؤلّف تربويّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: